ابن كثير

129

البداية والنهاية

وفيها قدم ملك التكرور ( 1 ) إلى القاهرة بسبب الحج في خامس عشرين رجب ، فنزل بالقرافة ومعه من المغاربة والخدم نحو من عشرين ألفا ، ومعهم ذهب كثير بحيث إنه نزل سعر الذهب درهمين في كل مثقال ، ويقال له الملك الأشرف موسى بن أبي بكر ، وهو شاب جميل الصورة ، له مملكة متسعة مسيرة ثلاث سنين ، ويذكر أن تحت يده أربعة وعشرين ( 2 ) ملكا ، كل ملك تحت يده خلق وعساكر ، ولما دخل قلعة الجبل ليسلم على السلطان أمر بتقبيل الأرض فامتنع من ذلك ، فأكرمه السلطان ، ولم يمكن من الجلوس أيضا حتى خرج من بين يدي السلطان وأحضر له حصان أشهب بزناري أطلس أصفر ، وهيئت له هجن وآلات كثيرة تليق بمثله ، وأرسل هو إلى السلطان أيضا بهدايا كثيرة من جملتها أربعون ألف دينار ، وإلى النائب بنحو عشرة آلاف دينار ، وتحف كثيرة . وفي شعبان ورمضان زاد النيل بمصر زيادة عظيمة ، لم ير مثلها من نحو مائة سنة أو أزيد منها ومكث على الأراضي نحو ثلاثة ونصف ، وغرق أقصابا كثيرة ، ولكن كان نفعه أعظم من ضره . وفي يوم الخميس ثامن عشر شعبان استناب القاضي جلال الدين القزويني نائبين في الحكم ، وهما يوسف بن إبراهيم بن جملة المحجي الصالحي ، وقد ولي القضاء فيما بعد ذلك كما سيأتي ، ومحمد بن علي بن إبراهيم المصري ، وحكما يومئذ ، ومن الغد جاء البريد ومعه تقليد قضاء حلب للشيخ كمال الدين بن الزمكاني ، فاستدعاه نائب السلطنة وفاوضه في ذلك فامتنع ، فراجعه النائب ثم راجع السلطان فجاء البريد في ثاني عشر رمضان بإمضاء الولاية فشرع للتأهب لبلاد حلب ، وتمادى في ذلك حتى كان خروجه إليها في بكرة يوم الخميس رابع عشر شوال ، ودخل حلب يوم الثلاثاء سادس عشرين شوال فأكرم إكراما زائدا ، ودرس بها وألقى علوما أكبر من تلك البلاد ، وحصل لهم الشرف بفنونه وفوائده ، وحصل لأهل الشام الأسف على دروسه الأنيقة الفائقة ، وما أحسن ما قال الشاعر وهو شمس الدين محمد الحناط في قصيدة له مطولة أولها قوله : أسفت لفقدك جلق الفيحاء * وتباشرت بقدومك الشهباء وفي ثاني عشر رمضان عزل أمين الملك عن وزارة مصر وأضيفت الوزارة إلى الأمير علاء الدين مغلطاي الحمالي ، أستاذ دار السلطان . وفي أواخر رمضان طلب الصاحب شمس الدين غبريال إلى القاهرة فولي بها نظر الدواوين عوضا عن كريم الدين الصغير ، وقدم كريم الدين المذكور إلى دمشق في شوال ، فنزل بدار العدل من القصاعين . وولي سيف الدين قديدار ولاية مصر ، وهو شهم سفاك

--> ( 1 ) يقصد بالتكرور دولة مالي الاسلامية أو دولة الماندنجو ، فالتكرور أقليم من أقاليم الدولة ( صبح الأعشى 5 / 282 ) . والتكرور أو تكاررة أو تكارنة تستعمل في المشرق للدلالة على جميع سكان السودان الأوسط والغربي . ( 2 ) في تذكرة النبيه 2 / 142 : أربعة عشر .